الرئيسية / مدونات / المراهقة.. بين الفكرية والإنحرافية

المراهقة.. بين الفكرية والإنحرافية

إلياس طلحة

لم يعد ضروريا أَمَامَنَا العودة إلى الصحف أو انتظار نشرة الأخبار المسائية لمعرفة أخبار العالم، بل نسمع الآن:

الزمن أصبح زمن سرعة و عجالة، فقبل أن يُذَاع الخبر على التلفاز أو يَخُطَّهُ الصحفي في مقاله حتى تجد مواقع التواصل الاجتماعي قد بَثَّتِ الخبر بجل تفاصيله، و الأدهى من هذا يُرفق الخبر بصور من عين المكان، وهنا يرجع لهؤلاء فضل كبير.

لهذا لا ينبغي أن نستهين بالصفحات الإلكترونية و رواد هذه المواقع التي أصبحت تواكب كل صغيرة و كبيرة، و إن لم نبالغ أضحت هي التي تنقل الخبر الحقيقي عكس الإِعْلَام الرَّسمي.

و من جهة أخرى نجد الكثيرين يهاجمون “ولاد الفيسبوك” و يعتبرون كتاباتهم مجرد “مراهقة فكرية” تفتقر كتاباتهم لقواعد اللغة و اللباقة، و يكون مَرَامُهُم الأوحد هو مواجهة كل من يَشْتَمُّونَ فيه رائحة العمل السياسي. بَيْدَ أن هؤلاء المراهقين ينطلقون من مسلمة واحدة و وحيدة؛ كون الكتابة هي تعبير عن رأي شخصي و ممارسة لحرية لا تتوفر في الواقع المعيش، خاصة و أنهم يُعرُّون أحيانا عن بعض من الواقع كما أنهم لا يؤذون أحدا.

و إن اعتبره البعض “مراهقة فكرية” فالبعض يعتبره نضجا، و الحمد لله أن المراهقة تجلت فكرا و كتابة و لم تَصُبَّ في العُهر و الانحراف كما هو شأن العديدين. و إن كنا حقا نتحدث عن حرية التعبير فلندع هؤلاء لهواهم و لندع هواهم لهم، شريطة أن يتقبلوا “النقد البناء”.

بل يَعْجَبُ المرء لشجاعتهم التي تغيب عن هؤلاء المهاجمين الذين ينفثون سمومهم من تحت الأرض و يبدون الابتسامة المصطنعة و هم يلوكون بين أسنانهم الصفراء أن العصر عصر حرية و تعبير. و إن سَلَّمْنَا بأن أولئك المراهقين يسيرون في طريق لا يعلمون تَبِعَاتِهَا فأظن أن الشيء الذي دفعهم لتحمل مسؤولية الكتابة كفيل بأن يدفعهم ليتحملوا مسؤولية هذه التَّبِعَاتِ.

لتبقى حرية التعبير طبلا أجوفا يضرب فيه العابرون و هم يدركون أن صوت الضربات رنين صامت أجوف، و كتناقض هذه الكلمات تتناقض الحرية و التعبير. و على من يُضْمِرُ موقفا أن يكون شجاعا و يُبْدِيَهُ و يدافع عنه، لا أن نزحف كالأفاعي و نخرج أنيابنا وراء ظهر المقصودين، فيقولون:

أنا و من بعدي الطوفان، أو يقولون (هَضَا ضَايْ ضَايْ أنا أنا اللِّي كايْن وماكايْن ما حْسن) ثم نسأل:

لماذا كل هذا الإقبال على العالم الافتراضي؟ و الجواب بسيط؛ لأنه ليس مِلكا لأحد، رغم أن الكثيرين يلعبون دور النَّاقِدِ الصَّارِمِ الذي يحب التَّعْبِيرَ السَّوِيَّ، و هو لا يدري حتى معناه، و يحسبون أن من يكتب، تدفعه جهة أو خلفية رغم أنه يكتب لأنه واجب.

فشكرا ل -مارك- الذي منح المراهقين و غيرهم فرصة للكتابة و التعبير، و الشكر الحقيقي لمن ينتقد من أجل البناء و الحوار، و ليس لمن يتكلم من أجل الكلام، فكم يشتاق المرء لمن يحاور و يصغي و يَزِنُ ثم يجيب، فوجودكم يغني الساحة و يجعل كل صعب هَيِّنٍ.

و في النهاية لا يسعني سوى أن أقدم التحية لهؤلاء “المراهقين المفكرين” و أقول لكم: ها أنا ذا مراهق صبت مراهقته في الفكر، فلتحيا المراهقة و ليحيا العالم الأزرق الذي يحتضننا بكتاباتنا. 

تعليقات فيسبوك

عن خبر طنجة

شاهد أيضاً

إلى متى ستظل مدرسة الملك فهد العليا للترجمة تعاني من العجز في الحكامة ؟

        تعد مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، التابعة لجامعة عبد المالك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *