الرئيسية / مغرب-التناقضات / المغرب.. غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع

المغرب.. غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع

بقلم : يوسف الوهابي العلمي

تعتبر عبارة “غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع” أحد التعابير التي استخدمها كارل ماركس قديما في انتقاده للنظام الرأسمالي، بحيث أن هذا النظام ينتج بوفرة وأشار إلى ذلك بلحيته الغفيرة، بينما يستفيد من خراج هذه الوفرة هي القلة وأشار بذلك إلى رأسه الذي كان يغزوه الصلع، ففيه دلالة على أن هذا النظام ليس عادلا في توزيع وتقسيم هذا الناتج .

يملك المغرب الكثير من الموارد الطبيعية مثل الفلاحة والصيد البحري والفوسفات والسياحة، كل هاته الأشياء تساهم في بناء الاقتصاد الوطني، لكن رغم كل ذلك لا تزال الدولة المغربية تعاني من تزايد الديون الخارجية واختلالات مختلفة في جل القطاعات نظراً لسوء التدبير والتوزيع واقتصاد الريع، الأمر الذي يجعل المواطن المغربي يدفع ضريبة الفشل السياسي والاقتصادي في الحرمان من حقوقه التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان، علما أن للبلد مصادر طبيعية لتنمية الدخل القومي مقارنة مع غيرها.

فمثلا اليابان التي تعتبر دولة من أفقر البلدان من ناحية الإنتاج الطبيعي إلا أنها أكثر الدول إنتاجا بل تحتل الرتبة الثانية على مستوى العالم في المعاملات التجارية بفضل الاستثمار في أهم عنصر موجود داخل البلد ألا هو الإنسان الذي نقوم نحن بإهماله.

واليوم في بلادنا الحبيب نسمع كثيرا عن المشاريع المنجزة هنا وهناك وإعادة تهيئة البنية التحتية وكذلك تأهيل بعض الشوارع والطرقات، لكن في مقابل ذلك تظل الفئة الهشة من الضعفاء والمساكين ومحدودي الدخل المحدود تعاني في كل جوانب الحياة سواء في التعليم أو الصحة أو النظافة وحتى الجانب الأمني والخدمة الإدارية، إضافة إلى العقوبات التي تقوم بها الشركة المفوضة في قطاع الماء والكهرباء وغيرها، ولهذا يسجل تزايد في عمليات احتجاج سواء على الخدمات الإدارية أو الصحية وكذلك الجماعات الترابية.

وهنا أقول لو كانت تقاس حضارة الأمم بحيطانها وجدرانها لدامت الأندلس للمسلمين التي تفوقت في العمران والبنيان في القرون الوسطى، بل لم يشهد لها مثيل لكن كان ذلك على حساب بناء الأفراد والعدالة الاجتماعية وتزايد في الضرائب وسحق الطبقة العاملة واستعباد العامة على حساب النخبة، وهذا الواقع الذي جعل الأندلس تنهار رغم جمالية جدرانها وحيطانها.

ولا يختلف عاقل أن الأمم تبنى برجالها بإرادة جادة وصادقة في تكوينهم وبث روح حب الوطن فيهم ليس بالمزاعيم والأكاذيب بل بخبر العيان، لكن عندما تغيب الإرادة عن المسؤول ويصبح تعليم الناس محبة الوطن من أجل نهب الوطن حتى قال بعضهم: “الوطنية لنا والوطن لهم” كانت الحصيلة فشل في بناء الفرض ونزيف في كل المنشآت و”المنجزات”!

وهذا الواقع أنتج لنا جيلاً فاقداً لهويته وأصبحت الوطنية شعارات وأغاني لا تعكس شيء من ذلك على أرض الواقع، ويفسر ذلك حجم الخراب التي تتعرض لها “المنجزات” والبنايات والأرصفة وغيرها، فلا مسؤول مخلص لعمله ولا عامل يتقن صنعته ولا مواطن يحافظ على تلك المنشآت، بالمقابل لا يقبل هذا المسؤول أو العامل أن يبني بيته بالطريقة الهشة التي يتم بناء بها تلك المنشآت العامة ولا يقبل أي شخص أن يكسر شيء في بيته لأنه يعتبر ذلك من ملكه، لكن مع المنشآت العامة الأمر لا يعنيه رغم أنه ملكه كذلك.

وهنا لا بد من ذكر المثل الصيني: بنى الصينيون السّور لحماية حدودهم الشمالية من الغزاة وكلفهم سنين طوال ويقال أن 500 ألف شخص شاركوا في البناء من أجل حمايتهم لكن رغم ذلك تعرضوا للغزو من السور نفسه بسبب ارتشاء حراسه الذين مكنوا الغزاة من اقتحامه، فقال أحد حكمائهم: بنى الصينيون سورا عظيما لكنهم تغافلوا عن بناء حراسهم .

إن حضارة كل أمة تكمن في تكوين وبناء أفرادها وتحقيق العدل والمساواة والتطبيب والاهتمام بقضاياهم وتوفير حاجياتهم الأساسية وإنصاف الفقراء والرقي في العلوم والمعرفة التي تحتل بها بلادنا المراتب المتدنية خصوصا في معدل التنمية البشرية والتعليم ولا يمكننا أن نرتقي ونحن لا نهتم بأهم ثروة نمتلكها في بلادنا وهي الأجيال الصاعدة.

تعليقات فيسبوك

عن Youssef Alami

شاهد أيضاً

الدولة المغربية تسير إلى الهلاك وفقدان الثقة الاقتصادية والإجتماعية !

بقلم : يوسف الوهابي العلمي أصبح المواطن المغربي يعيش اليأس والبأس وعدم الاستقرار وفقدان الثقة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *